المقريزي

742

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

زوال دولته ، فسوّلت له نفسه أن بعث إلى الملك الناصر بالكرك يطلب منه ما خرج به معه من الخيل والمماليك ، وحمّل الرّسول إليه بذلك مشافهة أغلظ عليه فيها . فحنق من ذلك ، وكاتب نوّاب الشّام وأمراء مصر في السّرّ يشكو ما حلّ به ، وترفّق بهم وتلطف بهم / فرقّوا له ، وامتعضوا لما به . ونزل الناصر من الكرك ، وبرز عنها ، فاضطرب الأمر بمصر ، واختلّ الحال من بيبرس ، وأخذ العسكر يسير من مصر إلى الناصر شيئا بعد شيء ، وسار الناصر من ظاهر الكرك يريد دمشق في غرّة شعبان سنة تسع وسبع مائة . فعندما نزل الكسوة ، خرج الأمراء وعامّة أهل دمشق إلى لقائه ومعهم شعار السّلطنة ، ودخلوا به إلى المدينة - وقد فرحوا به فرحا كثيرا - في ثاني عشر شعبان ، ونزل بالقلعة ، وكاتب النوّاب ، فقدموا عليه ، وصارت ممالك الشّام كلّها تحت طاعته ، يخطب له بها ، ويجبى إليه مالها . ثم خرج من دمشق بالعساكر يريد مصر ، وأمر بيبرس كلّ يوم في نقص ، إلى أن كان يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان فترك بيبرس المملكة ، ونزل من قلعة الجبل ومعه خواصّه إلى جهة باب القرافة ، والعامّة تصيح عليه وتسبّه ، وترجمه بالحجارة - عصبيّة للملك الناصر ، وحبّا له - حتى سار عن القرافة . ودعا الحرس بالقلعة في يوم الأربعاء للملك الناصر ، فكانت مدّة سلطنة بيبرس عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما . وقدم الملك الناصر إلى قلعة الجبل أوّل يوم من شوّال وجلس على تخت المملكة ، واستولى على السّلطنة مرّة ثالثة . ونزل بيبرس بإطفيح ، ثم صار منها إلى إخميم ، فلمّا صار بها تفرّق عنه من كان معه من الأمراء والمماليك ، فصاروا إلى الملك الناصر ، فتوجّه في نفر يسير على طريق السويس يريد بلاد الشّام ، فقبض عليه شرقي غزّة ، وحمل مقيّدا إلى الملك الناصر . فوصل قلعة الجبل يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة ، وأوقف بين يدي السّلطان ، وقبّل الأرض ، فعنّفه ، وعدّد عليه ذنوبا ووبّخه ، ثم أمر به فسجن في موضع إلى ليلة الجمعة خامس عشره ، وفيها لحق بربّه تعالى ، فحمل إلى القرافة ودفن في تربة الفارس أقطاي « 1 » ، ثم نقل منها بعد مدّة إلى تربته بسفح المقطّم فقبر بها زمانا طويلا ، ثم نقل منها ثالث مرّة إلى خانقاهه ودفن بقبّتها ، وقبره هناك إلى يومنا هذا . وأدركت بالخانقاه المذكورة شيخا من صوفيّتها أخبرني أنّه حضر نقله من تربته بالقرافة إلى قبّة الخانقاه ، وأنّه تولّى وضعه في مدفنه بنفسه .

--> ( 1 ) ما تزال بقايا تربة الفارس أقطاي موجودة في الجهة الجنوبية لقلعة الجبل على طريق صلاح سالم على يمين المتّجه إلى كوبري السيدة عائشة ، ومسجلة بالآثار برقم 277 . ( راجع ، عاصم محمد رزق : أطلس العمارة الإسلامية 1 : 1070 - 1078 ) .